صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه
نر حب بجميع الزوار الكرام ونر جو منكم التسجيل

صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه

مجلة دوار 12 الاسبوعيه
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حينما ينتصر الإنسان للإنسان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
المراقب العام
المراقب العام
avatar

عدد المساهمات : 3388
تاريخ التسجيل : 16/02/2010
العمر : 47

مُساهمةموضوع: حينما ينتصر الإنسان للإنسان   الثلاثاء أكتوبر 15, 2013 11:25 am

حينما ينتصر الإنسان للإنسان
يعتبر عبدالواحد منتصر، من أكبر المهندسين المعماريين المغاربة، فضلا عن كونه فنانا تشكيليا ومثقفا وقارئا نهما لكتب الفكر والفلسفة والأدب, كما يعتبر أحد رواد الجيل الثاني من المهندسين المعماريين المغاربة، إذ ساهم عبر تجربته الغنية والممتدة مع عوالم الهندسة المعمارية، وعبر نشاطه المهني والثقافي والأكاديمي والفني والاجتماعي، في وضع وبلورة مخططات وتصاميم هندسية معمارية كثيرة وبالغة الجمال، تمكنت من تغيير وجه التمدن والطبيعة الاجتماعية لعدد من المدن المغربية القديمة والجديدة، وارتقت بصورة التمدن والمعمار فيها، وساهمت، بالتالي، في تعزيز الجودة الحضرية والمعمارية للسكن الاجتماعي، وغيره، في المغرب.
فضلا عن ذلك، نجد أن مجال المعمار، كما يتمثله المهندس عبدالواحد منتصر ويفهمه، يبقى غير بعيد عن مجال الفكر والثقافة والإبداع والخيال، لكونهما يتكاملان في ما بينهما، نظريا ومنهجيا وتحليليا. من هنا، ضرورة الفكر والثقافة والإبداع للمعمار، بالنسبة لعبدالواحد منتصر. وفي هذا المقام، تبرز ثقافة منتصر الهندسية، في تنوعها، وفي اتساع أشكال تفاعلها مع الإنتاج الفكري والمعماري الكوني، بما في ذلك تقديره الخاص لأعمال مجموعة من المفكرين والأدباء والفنانين المغاربة والعرب والأجانب، ممن تفاعل معهم منتصر في كتاباته ورؤاه، من قبيل جاك دريدا وعبدالله العروي، وغيرهما من المفكرين والأدباء والفنانين العرب والأجانب.
في تصاميم المهندس عبدالواحد منتصر، يتم التركيز، أساسا، على الإنسان، في علاقته بالفضاء الذي يأويه ويعيش فيه، وفي اعتباره الإنسان هو المعيار الأساس الذي يعتمد عليه كل معمار، بمثل تركيزه، أيضا، على الدور الاجتماعي للهندسة المعمارية، وخصوصا حينما يتعلق الأمر بنوع من المشاريع الكبرى، تلك التي يؤمن بها منتصر وينتصر لأفقها الإنساني الرحب.
عمل عبدالواحد منتصر على وضع تصاميم لمجموعة من المدن ومقرات المؤسسات والمعلمات المغربية، ويكفي أن نذكر منها تصميمه، بمعية المهندس المعماري المغربي رشيد الأندلسي، للمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، هذه المعلمة الفنية التي سبق لمجلة «العربي» أن نشرت عنها استطلاعا شاملا، يعكس طبيعة جمال هندستها وأروقتها وفضاءاتها. فضلا عن ذلك، فاز ترشيح عبدالواحد منتصر، أخيرا، لوضع تصميم لمقر سفارة دولة الكويت في المغرب.

  • أصدرت حتى الآن، بمعية الشاعر المغربي المهدي أخريف، كتابين اثنين مشتركين: «عبدالواحد منتصر: المهندس الإنسان»، و«المدينة السعيدة»، والبقية في الطريق. فكيف جاءت فكرة تعاونك مع الشاعر أخريف، وهل اخترت فيه صورة الصديق، أم صورة الشاعر، أم صورة المترجم، أم صورة المثقف العارف بالمدينة المغربية وبتحولاتها، أم أنك اخترته لتلك الخاصيات كلها؟
- التَّعاون والتعامل بيننا في الكتابين معاً جَرَى بكيفية تلقائية سَلِسة بحكم الصداقة التي ساهمتْ بقوّة في إنضاج تجربة إنجاز الكتابين معاً.
لقد وجدتُ في المهدي منبعاً ثقافياً مُهماً لمهندس معماري. ذلك أنّني لا أتصوّر العمل في مجال الهندسة المعمارية ممارسةً منعزلة ومنفصلة عن باقي المجالات الأخرى، وخاصة المجال الثقافي.
إنني أعتبر الصداقة التي تجمعني بالمهدي أخريف بمنزلة اتفاقٍ وتوافقٍ مثمرٍ، لكونه شاعراً وكاتباً، ولأن الهندسة المعمارية هي أيضاً كتابة لاتخلو من شاعرية وتخييل.
لقد تحوَّلتْ صداقتنا إلى علاقة مثمرة متَواصلة عبر عملية تعاون وتجريب وتحاور وتجاوب، كأن الأمر يتعلّق بمختبر مشترك بين مهندس معماري وشاعر. يستفيد كلانا من الآخر. وكلانا يدعم ويقوّي تَجربةَ الآخر، لاسيما أن المهدي يهتمُّ بقضايا وشئون أعتبر نفسي معنِّيا بها إلى أبعد مَدى، مثل قضايا الوجود والمصير ومعنى الوجود الإنساني، وهي قضايا نلتقي معاً فيها على قاعدة النظر المتقارب المشترك. وهو ما يعني أنَّنا نسير في الاتّجاه نفسه. هو يعبّر عن رؤاه بالكتابة وأنا وسيلتي التعبيرية هي الكتابة المعمارية.
وعليَّ هنا أن أذكّر بأنّ لي تجربةً سابقة على تجربة تعاملي مع المهدي، عِشْتُها مع الفنان التشكيلي محمد حميدي، غير أنها على أهميَّتها ظلّت محصورةً في مجال الشكل والمادّة والضّوء ولم تَرْتقِ إلى مستوى الاهتمام بالمجال الإنساني.

  • نادراً ما يلجأ المهندسون المعماريون في بلادنا العربية إلى إصدار كتب عن تجاربهم وخبراتهم ومشاريعهم وتأملاتهم، خاصة أنك انتصرت في كتابيك، الصادرين إلى حد الآن، بالاشتراك مع الشاعر المهدي أخريف، للغة العربية، خلافا لما دأب عليه آخرون، في ارتمائهم في أحضان لغات أخرى، يعتبرونها أكثر حداثة ومقروئية ولا أخفيك، في هذا الإطار، أنني استمتعت كثيرا بكتابيك واستفدت منهما، بما يقدمانه ويكشفان عنه من تأملات ذاتية وثقافية حول المعمار والمدينة. فلم فكرت في إصدار كتبك باللغة العربية، أولا؟ وما مشاريعك المستقبلية في هذا المجال؟
- أوَّلاً وقبل كُلِّ شيء أنا أحبّ اللغة العربية وأدوّنُ بها، من حين إلى آخر، بعضَ الانطباعات أو التأملات أو الملاحظات ذات الصلة باختصاصي أو بغيره من المجالات الفكرية والجمالية. كما أنني أجد الكثير من المتعة في القراءة بها.
وكنت أحسب أنّني بإصداري كتابي الأول بالعربيّة سأتيح الفرصة للمهتمين بمجال المعمار أن يقرأوا ما نَشَرت، غير أنّني اكتشفتُ أن أغلب الذين يشتغلون بالهندسة المعمارية ويقرأون عنها، لا يقرأون بالعربية. لذلك قرَّرت أن أنْشُر كتابي الثاني في هذا الميدان باللغتين العربية والفرنسية معاً، حتى أمنح الفرصة للقرَّاء من ذوي اللسان الفرنسي والثقافة الفرنسية أن يقرأوا كتبي باللغة التي يُحْسِنون.
أمّا عن مشاريعي المقبلة  فستكون بالعربية والفرنسية ولغات أخرى، لماذا؟ لأنّ الصدى والتلقّي الإيجابيين لأعمالي في الصحافة المكتوبة بالعربية كان أكبر وأوسع مِمّا حصل في الصحافة المكتوبة بالفرنسية أو غيرها.

  • مما لا شك فيه، أن خبرتك وتجربتك الهندسية المعمارية، المشهود لك بها داخليا وخارجيا، تقف خلفها تجارب هندسية لمهندسين عالميين أثروا فيك وفي تكوينك العلمي، كما أغنوا تجربتك ومسارك وطبيعة فهمك للمدينة الجديدة. فهل لك أن تقربنا من أهم تلك المرجعيات والخبرات الدولية، وما درجة ونوعية تأثرك بها، في مجال إسهامك المضيء في تطوير صورة المدينة المغربية؟
- لقد تأثرت بمهندسين معماريين بارزين كانت لهم تجربة قوية مؤثرة على المستوى العالمي، مثل لويس كان الأمريكي الذي أنجز مشاريع معمارية كبرى داخل الولايات المتحدة وخارجها «في بنغلاديش، وفي الهند وأقطار أخرى»، حيث عرف كيف يتعامل مع ثقافة ومحيط البلدان التي أنجز فيها مشاريعه. وكذلك المهندس المعماري الكوبي ريكاردو بورو في مشاريعه ومنجزاته الرائعة في مدينة هافانا والتي نجح فيها في المزج بين أصول الثقافة الإفريقية والأمريكية اللاتينية التي تميّز الشعب الكوبي بما يجعله نموذجاً فريداً لإبداع معماريِّ فريد. ولا تفوتني الإشارة هنا أيضاً إلى المهندس المعماري السويسري لوكوربوزييه وإنجازاته خصوصا في شانديغار في الهند وغيرها من المشاريع. كما يجب هنا ألا أنسى المهندس العبقري المصري حسن فتحي ومشروعه الشهير «القرنة»، فهو مشروع أعتبرهُ صيغةً عملية ناجحة ومتفرِّدة لنمط السَّكن الملائم للإنسان المصري البسيط، وهو المشروع الذي رَاعَى فيه نموذج العمران الملائم لحاجات النّاس البسطاء. إذن مرجعياتي في عملي المعماري مؤسَّسة على هذه التجارب ومثيلاتها، وهي تجد أسسها في الواقع، في مجال الثقافة بمعناها الشمولي الواسع وليس عَبْر النَّقْل أو فرض نماذج هندسية يجري تطبيقها على بَلَدٍ معيّن.

  • فضلا عن تكوينك وثقافتك الهندسية المعمارية، يعرف عنك اهتمامك الكبير وقراءاتك المتواصلة لكتب الفلسفة والفكر والأدب، وخصوصا الرواية، في أبعادها العربية والعالمية. فهل لك أن تقربنا من هذه العوالم الثقافية والجمالية الموازية، ومن طبيعة تأثيرها المباشر أو غير المباشر على فهمك وتصورك للعالم وللمدينة السعيدة فيه؟
- لا شك في  أن القراءة والاستزادة المعرفية الدائمة مِنْ حقول الأدب والفلسفة والتاريخ والفن والعلم لها دور مهم في إغناء وتكييف عملي ومشاريعي المعمارية بما تشكِّله من تأثير وإغناء إيجابي مباشر لتصوّراتي وأفكاري سواء مجال العمارة أو العمران. ذلك أنها تساعدني على أن أفهم خصوصية ثقافتي وحضارتي العربية الإسلامية على نحو أعمق وأفضل. لأن كُلَّ ما أنجزته وأنجزه إنما هدفه هو الإنسان المغربي والعربي أولاً  ثم الإنسان حيثما وُجد ثانيا وأخيراً.

  • في كتابك الأول، توقفت عند المفكر والروائي المغربي الدكتور عبدالله العروي، فهل لك أن تقربنا من سر إعجابك بشخصيته وكتاباته، علما بأن لعبدالله العروي نفسه آراء ومواقف خاصة من «المدينة»، كتلك التي جسدها في روايته الممتعة «غيلة» عن الدار البيضاء وما آلت إليه أحوالها، أو تلك التي سبق أن تضمنتها رواياته الأولى، وكذلك كتابه «من التاريخ إلى الحب»، في تساؤله الشهير «هل لدينا مدينة يمكن أن تكون موضوعا للرواية؟»
- إعجابي بأعمال عبدالله العروي الفكرية والتاريخية أكبر من إعجابي  بأعماله الروائية التي لم أقرأ منها سوى روايتين. لقد أفدتُ الكثير من تحليلاته العميقة لتاريخ المغرب وللوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي في المغرب والعالم العربي الحديثين. وكذلك أفدتُ الكثير من قراءاته الفلسفية في ما يخص مفاهيم مثل التاريخ، الدولة، الحرية، الأيديولوجية، العقل.. إلخ. وفي كتاب «عبدالواحد منتصر: المهندس الإنسان» فصل قصير أتحدث فيه عن حوار دار بيني وبينه عَقِبَ محاضرة لي في معهد جوته بالرباط. وكانت المدينة هي موضوع الحوار. وأعتقد أنَّنا معاً نملك الرؤية النقدية نفسها للمدينة وخاصة لمدينة عاش هو فيها مدة غير قصيرة وفيها ولدتُ ولاأزال أعيش وأعمل إلى اليوم، أعني الدار البيضاء. ولا أخفيك سرّاً إن قلتُ إنني عندما قرأت رأيه المسرود على لسان إحدى شخصيات روايته «غيلة» أحسستُ كأنني المتحدِّث عن الدار البيضاء وليس إحدى شخصيات العروي. دعني إذن أقتطف هذه الفقرة من مطلع الرواية للتذكير، وهي الآتية:
«... نودّ أن نستغل العملية (عملية إنقاد قاعة سينمائية  من الإغلاق) لكي نُشعر النَّاس بمشكل أعمّ وهو ما يلحق المدن المغربية من تشويه. أكثر المسيِّرين على المستوى المحلي أفّاقيون لا تربطهم بالمدن التي يتولّون إدارتها أي علاقة وجدانية. يتصرفون من دون مراقبة فيفضِّلون الهدم على التّرميم. الجراحة على المداواة. لا يشعرون بأنَّ المدينة أيّ مدينة بالمعنى الكامل كائنٌ حيٌ يحس ويتنفّس ويتذكَّر، لا مجرّد رُكَام قابل للهدم والفتق. ممرّاتها شرايين ومبانيها معالم. أين عمارة فوكس؟ المسرح البلدي؟ فندق آنفا؟...».

  • من المعروف أن بعض مجتمعاتنا العربية قد ورثت عن الاستعمار مدينتين اثنتين: مدينة عتيقة ومدينة جديدة. ففي نظرك، كيف يمكن، في ضوء هذا التقاطع بين ما ينتمي إلى الأصالة المعمارية وما ينتمي إلى الحداثة، أن نخلق مدينة جديدة؛ أقصد مدينة وسطى، تستجيب، في جانب منها، لقيمنا الإنسانية والاجتماعية، ولتطور الحياة وتزايد عدد السكان الذي تعرفه مدننا اليوم بفعل عوامل عدة، من أبرزها عامل الهجرة القروية؟
- الجواب موجود في المدينة السعيدة بالصيغة التالية:
لابد من العودة إلى الماضي لفهم ما جرى لمدننا ولاسيما إلى ما حدث بعد الاستعمار مباشرة؛ ذلك أننا ورثنا مدينتين: المدينة العتيقة الـ «ما قبل» استعمارية؛ ثم المدينة الأوربية الحديثة، وإذا بنا نضيف إليهما مدينة أخرى تَرَعْرَعَت بسرعة بفعل الهجرة الواسعة المتزايدة من البوادي إلى المدينة، يمكن أن أطلق عليها نعت اللامدينة. يبدو أننا لم ننتبه إلى أننا ونحن نشيّد هذه «اللامدينة» كنا أسْرَى نظرة تقوم على تفتيت بنيوي للطبقات الاجتماعية، من خلال بناء مجموعات سكنية منفصلة: أحياء صناعية، أحياء للطبقات الكادحة والمتوسطة، أحياء راقية.
هذا التفتيت كانت له تأثيرات شديدة السلبية إذ ترتّب عليه تكريسٌ متزايد للتفاوت بخلق مجتمعات منفصلة عديدة داخل المجتمع الواحد، بل طبقات متباعدة لا تجمعها علاقات اجتماعية أو ثقافية ملموسة.
أجل، كانت هناك بعض المحاولات الإيجابية لتدارك الخَلَل وخاصة في أحياء مثل درب الجديد (الحي الحسني)، حي مبروكة، سيدي عثمان، إذ أقيمت مشاريع سكنية من طرف الدولة أو الخواص حاولت أن تستفيد من نموذج المدينة العتيقة.
 أنا بدوري قمت بمحاولة مماثلة مع بعض المهندسين المغاربة في حي نسيم.
لكن العشوائية ظلت الطابع المميز للمدينة، لأنها صارت تحت رحمة المستثمرين الخواص الذين فعلوا ما أرادوا بها بسبب غياب رؤية شاملة ومسئولة.
 لذلك فأول ما يجب القيام به هو إعادة النظر في قوانين التعمير لتتلاءم مع متطلبات مدن المستقبل التي ستبنى وفق نموذج عمراني جديد أساسه الإرث الموجود.
بحيث عندما نتحدث عن المدينة ينبغي أن يكون السكن الاجتماعي أحدَ معالمها المميزة.
إننا في أمس الحاجة إلى القضاء على العنف السائد في المدينة حتى نُحِلَّ محله ما هو مدهش وجميل وأن نمنح الناس القدرة على الحلم والأمل.
إذ في هذا الإرث العمراني توجد الحلول الكفيلة بإقامة مدن الغد.

  • نجد أن الكثير من المعالم المميزة لمدننا قد بدأت تتلاشى بفعل سياسة الهدم والمحو التي تنتهجها السلطات ومافيا العقارات، تجاه المعمار الذي ورثناه عن الفترة الاستعمارية، ما يحد من رونق معمار مدننا وجمال تصاميمها الهندسية. لذا، وفي الوقت الذي نتحدث فيه اليوم عن سياسة المدينة، كيف السبيل في نظرك إلى الإبقاء على ما تبقى من ذلك التراث الحضاري المعماري وصيانته وحفظه، بعيدا عن أطماع السماسرة والعابثين؟ 
- بالفعل يبدو أن الحفاظ على الإرث المعماري للحقبة الاستعمارية أو ما قبلها مسألة ثانوية بالنسبة إلى المعنيين بالسياسة وبإدارة شئون البلاد عندنا لماذا؟ لأنه، من وجهة نظرهم، لا يُساهم في الاقتصاد ولا في التربية. لقد أكّدت غير مرّة أنّ المدينة عبارة عن معالم ثابتة مميّزة لا يحقّ لنا أن نَمْحوها أو نطمس ملامحها أو أيّ جزء منها. لذلك أرى أن المحافظة على أفضل ما تركته لنا الأجيال السابقة يَمُرُّ من قاعدة أن «المدينة تبني لنفسها وبنفسها». وهكذا نحافظ في الوقت نفسه على روح المدينة وقيمتها، وهذه القيمة لا تتجلّى فحسب في جمالها المعماري، ولكنْ في تعاملها مع الإنسان ومجالات عيشه. إنَّها إذن بمنزلة إجابات تنتمي إلى عصرها، وهي بالنسبة إلى المهندس المعماري المعاصر بمنزلة مرجع لا يمكن  تخطّيه أو الاستخفاف به.

  • من المؤكد أن اهتماماتك لا تتوقف عند حدود هندسة البنايات، بل تمتد إلى التفكير في وضع خطط لتطوير التعمير ببلادنا على مستوى المدن، بغاية إدراك الإشكاليات الكبرى لعمارة المدن.  من هذا المنطلق، كيف السبيل إلى أن نتوفر في عالمنا العربي على مدينة عربية تستجيب في مجالها وعمرانها للمعايير والحاجيات والأبعاد الإنسانية التي تتوافر عليها مدن أخرى غربية شهيرة؟
- أوّلاً لابدّ، لكي تتوافر لدينا مدنٌ عربية لائقة مميّزة، أنْ نحافظ على هويّة مدننا. وفي الوقت نفسه علينا أن نُضفي على هذه المدن طابعاً كونياً حداثياً مُسايراً للعصر. وإنني لأتساءل، بالمناسبة، هل نتوفر اليوم على دراسات معمقة ودقيقة عن واقع المدن العربية عمراناً ومعماراً؟ لا مناصّ من توفير دراسات متخصّصة حول ما ينبغي أن تتميز به المدينة العربية المنفتحة على العالم من مَزايا وخصائص.

  • مارست الفن التشكيلي في مرحلة زمنية معينة، لكن يبدو أن هذا الاهتمام الجمالي لم يفارقك ولم تغادره إلى اليوم، سواء في أسلوب حياتك، أو في مهنتك، أو في نظرتك الشعرية والجمالية إلى الأشياء وإلى مدينة المستقبل، وأيضا إلى الحياة والعالم. ففي نظرك، كيف يمكن للهندسة المعمارية أن تستفيد من الفن التشكيلي، على المستوى المعماري والجمالي والبنيوي؟
- لقد مارست الفن التشكيلي فعلاً وأقمت  العديد من المعارض الجماعية، وخصوصاً الفردية داخل المغرب وخارجه وخاصة في الثمانينيات وبداية التسعينيات ومازلت على اهتمامي وشغفي بهذا الفن إن لم يكن على مستوى الإبداع بكيفية مستمرة فعلى مستوى المتابعة والمراقبة على الأقل.
ما يعنيني اليوم هو ما يمكن أن تجنيه الهندسة المعمارية من علاقتها بالفنون الأخرى، والفن التشكيلي بصفة خاصّة (ذلك أنَّني شديد الاهتمام أيضاً بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والجاز وبعض الألوان الغنائية التقليدية المغربية والعربية) من فوائد مباشرة وغير مباشرة على النحو الذي أدَّى إلى ظهور تجارب فريدة لفنانين مثل دافيد هوبغار وكذلك دوشريكو الإيطالي. يتعلّق الأمر بالنسبة إليَّ هنا بمقترحات غريبة عجيبة يقدمها الفنّان عن الفضاء والإنسان بما يعني التأثير المتبادل بين المعمار والتشكيل.

  • في كتاباتك وحواراتك وفهمك للأشياء، يشكل الإنسان بالنسبة لك المبتدأ والخبر في اهتماماتك وتفكيرك في الحياة السعيدة وفي مدينة المستقبل. فهل تفكيرك في الإنسان،  وفي حياته الاجتماعية، ومحيطه البيئي، بالدرجة الأولى، هو سر نجاح مشاريعك وتصاميمك المعمارية؟ وما المشكلات والصعوبات التي تعترضك عادة في تحقيق هذا الطموح النبيل وهذه الغاية المرتجاة؟
- الموضوع الأساسي هنا ليس تفكيري في الإنسان بل معرفتي بالإنسان. لأنَّ هذه المعرفة هي التي تقودني إلى الطريق الصحيح لإنجاز مشاريعي المعمارية والعمرانية. أعرف أنَّ الدراسات السوسيولوجية تمكّننا من الاقتراب من الجواب أو من تلبية حاجيات هذا الإنسان في مجاله.
إن معرفة الإنسان ذات علاقة وثيقة مع المعرفة أو الإحاطة بكل الدراسات المتصلة بالإنسان كيفما كان مجالها واختصاصها، إنتربولوجية، سيكولوجية، سوسيولوجية، فلسفية سياسية، اقتصادية... إلخ.
أما الصعوبات والمشكلات التي تعترضني فهي تتمثل غالبا في القوانين المجرّدة غير اللائقة والشديدة البيروقراطية التي يجري بها العمل عندنا. والتي تمنع إيجاد حلول عملية ملائمة وعاجلة لهذه المشكلات ما يحول دون إمكان إيجاد حلول معمارية مُبدعة للقضايا الجوهرية. إذن فالمطلوب وباستعجال كبير، إعادة النظر في القوانين المنظمة لتعمير المدينة.
إننا إذ نتحدث عن سياسة المدينة نَعِي تماماً أن المسألة ليست مسألة تدبير بل هي مسألةُ تصوُّر، وهذا يستلزم إحداث خلية مستقلة مكونة من خبراء عارفين مختصين همُّهُمْ هو دراسة مجتمع المدينة وتاريخه، ثم تقديم مقترحات تيسّر لنا إعادة النظر في قوانين التعمير بما يستجيب للحاجات المعمارية الراهنة المتكاثرة والمتضاربة.

  • عملت بعد عودتك إلى المغرب، بعد سنوات التحصيل في أوربا، على بلورة مدرسة معمارية حديثة بالمغرب، بمعية مهندسين معماريين آخرين. فما هو مآل هذه المدرسة، وما منجزاتها، وهل يمكن أن نتحدث اليوم، فعلا، عن مدرسة معمارية مغربية، في ضوء ما قد يبدو من تنافر وتباين في أشكال الهندسة المعمارية ببلادنا؟
- حاولتُ بعد عودتي إلى المغرب في مطلع الثمانينيات، طرق مسالك جديدة في الهندسة المعمارية غير تلك المطروقة في ذلك الوقت. وخلال هذه المسالك التي كنت اقترحتُها لقيتْ تجاوباً من طرف جيل المهندسين المعماريين الشباب. لكنني لا يمكن أن أتحدّث هنا عن مدرسة بالمعنى الأكاديمي للمدرسة المعمارية، لأنّ تلك الاستلهامات الشبابية غالبا ما تكون شكلية. ولكي تكون لدينا مدرسة معمارية خاصّة مميّزة لابد من توافر الشروط اللازمة خارج الضغوط الأيديولوجية.

  • تم اختيارك، من خلال ترشيحك، لإنجاز تصميم المقر الجديد لسفارة دولة الكويت في المغرب، وهو انفتاح آخر على المحيط العربي، بعد تجاربك السابقة في الخليج العربي. فهل لك أن تحدثنا عن بعض تفاصيل هذا المشروع الجديد، وما خصوصياته التي تكون قد زكت اختيار تصميمك للمقر الجديد للسفارة؟
- مشروع العمل على تصميم سفارة الكويت بالمغرب لم يكن مشروعا سهلاً. فالأمر كان يتعلّق برِهَانٍ صعبٍ على الجودة والإبداع، بصرف النظر عن الجانب الوظيفي والهندسة الداخلية لمجالات مقرّ السفارة.
حاولت أن أبحث داخل ثقافة الشعب الكويتي عن آثاره وطبيعة مناخه على الخصوص. وكان الشاغل الرئيسُ لديَّ أن أعثر على العلامة المعمارية الدالّة بصورة حاسمةٍ مميّزة على الهوية الوطنية لدولة الكويت الشقيقة، وأعتقد أنني وفّقتُ إلى تصميم تلك العلامة المميزة بكيفية مُرْضية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://mzmzmz.nforum.biz
 
حينما ينتصر الإنسان للإنسان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه :: مجلة صدي الاسبوع-
انتقل الى: