صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه
نر حب بجميع الزوار الكرام ونر جو منكم التسجيل

صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه

مجلة دوار 12 الاسبوعيه
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رحل مجيد.. وترك لنا ميراث الفخر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر عون
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 11/11/2010

مُساهمةموضوع: رحل مجيد.. وترك لنا ميراث الفخر   الخميس نوفمبر 11, 2010 9:51 am

رحل مجيد.. وترك لنا ميراث الفخر
محمد فاضل
ذات يوم من خريف العام ,1975 كان شذى الياسمين المنبعث من الحدائق الصغيرة لمنازل شارع الدكتور السبكي في القاهرة ينعش رئتي، قبل أن التقي به. وجه أسمر ملتفت يحدق جانباً ورأس حليق، فيما ربطة الفراشة تزين العنق.
كانت تلك صورة معلقة على الجدار موشاة بكلمات تنم عن مناشدة غاضبة: ''الحرية للمناضل مجيد مرهون''. كيف كان لابن السابعة عشرة وقتذاك أن يتنبأ بأن ذلك الوجه في تلك الصورة الباقية على حالها ردحاً من الزمن، سيصبح في يوم وجهاً من لحم ودم وعيون تشع وفم مبتسم لا يني عن إطلاق الضحكات المجلجلة كلما التقيته؟.
هكذا، تعين الانتظار (دون حساب أو تخطيط) أحد عشر عاماً قبل أن أتعرف عليه لكن من خلال أثر له: شريط كاسيت يحمل ثلاث قطع موسيقية أستطيع أن أقول بكل ثقة إنها من بين ما أثر في أكثر من أي شيء آخر. ولسوف أنتظر بضع سنوات أخرى، أربعا بالأصح لكي تراه عيني وأصافحه بيدي وأعانقه بشيء من لهفة. هكذا، نطقت الصورة القديمة بالحياة، ووجدتني أقف أمام الأسمر ذي العينين الدعجاوين الذي يدعى عبدالمجيد عبدالحميد مرهون في أبريل/نيسان 1990 بعد 15 عاماً من ذلك اليوم الخريفي. منذ تلك المصافحة، لم نتوقف عن العناق كلما التقينا.
حتى ذلك اليوم الذي استمعت فيه لموسيقاه، لربما كان مجيد مرهون بالنسبة لي شخصاً من بين عشرات ومئات لكل منهم تاريخ ولربما مأثرة، مناضلا من بين المئات في تلك السنوات الملتهبة. لكن الموسيقى ليست مأثرة فحسب، إنها أعظم من أن توصف، إذا كنا نتحدث عن أي معين يغرف منه من يؤلفها كي يستنبط الألحان والجمل ويزاوج بين الآلات ويعطي النغمة لهذه أو تلك وينسج حواراً بينها، ويهدي الوتريات وآلات النفخ نفحة من روحه ومخيلته مدوزنة بالإيقاع لتصيغ وجداننا وحياتنا كلها. أي ذلك المعنى الذي نسعى وراءه كلما هزتنا الموسيقى وأثرت فينا بعمق إلى حد الوله أحيانا دافعة إيانا للتأمل العميق ولربما السعادة.
هكذا، فإن كان مجيد مرهون قد تخطى أدبيات النضال بجرأة واستثناء، فإن موسيقاه دفعته إلى أقصى حدود الإبداع الإنساني. كانت موسيقاه هي أكثر ما شدني إليه وأكثر ما أثار فيّ لهفة لمصافحة من أصبح يسمى ''مانديلا البحرين''. لذا، وقبل أن أطرق بابه للسلام عليه، حملت معي ذلك الشريط إدراكا مني بأنه لم يسمع موسيقاه، لكنها كانت ستخلق حبلاً سرياً لصداقتنا اللاحقة.
منذ ذلك الشريط، أصبحت أشعر بفخر كبير في أن أقول إنني ومؤلف هذه الموسيقى أبناء بلد واحد، إننا بحرينيون بل أمعن أحيانا: إنه صديقي. وإذ كانت العزيزة ''أم إياد'' تطلب مني أن أطفئ الشريط كلما دار في مسجل السيارة لأن جرعات الحزن في مقطوعة ''حنين- نوستالجيا'' فوق الاحتمال، فإن تلك كانت الموسيقى التي تصدح في أذني لسنوات وستظل. شرح لي قصتها: ''ذات يوم كان الغيم يمر على القمر الذي كان يرسل شعاعاً واهناً من كوة الزنزانة.. أثار المشهد فيّ حنينا فكانت.. حنين''.. وأي حنين يا أبا رضا هذا الذي يأخذنا إلى عوالم مسحورة من طفولة وأزقة ومشاعر بكر وقمر تنساب منه الفضة خيوطاً على صفحة الماء على ساحل بحريني، وصياد بمئزره يمخر العباب بحثاً عن رزق في علم الغيب؟ أي حنين هذا يا أبا رضا الذي يدر الدمع من عيني فلا أعرف إن كنت أبكي على ما مضى أم على من ذهب من الأحبة أم على ما هو آت.. وإذ أحكي عن ''حنين''، لم أحسب أن ما هو آت سيكون 23 فبراير .2010
كنت أحب الاستماع لـ''حنين/ك'' كلما كان بقربي صديق أو ضيف، بعضهم يسأل: من مؤلف هذه الموسيقى؟ وبعضهم كان أقل فضولا، فأسعى لاستثارة فضوله: هل تعرف من مؤلف هذه الموسيقى؟ لم أتلق لسنوات ومن العشرات أي جواب يقترح أن مؤلفها بحريني، بل أجوبة تزيدني ما يداعب الغرور قليلا: ''بيتهوفن''، ''موزارت'' وأحياناً ''ياني''. أما الدهشة فترتسم على الوجوه عندما أقول: بحريني اسمه مجيد مرهون نسميه ''مانديلا البحرين''.
مأثرته لم تتوفر إلا لقليل من الناس. توازن قلما نجده لدى غالبنا. مثابرة وعزم لا يلين دفعه للتفوق في المدرسة صغيرا، في النضال.. وفي الموسيقى شابا ورجلا ناضجاً. وإذ يختار غالبنا النظر له من أي باب، فإن مجيداً كان المناضل الصلب والموسيقي المتفوق في توازن وانسجام مدهش لم يترك لنا سوى احترامه بقدر مضاعف. التفسير كان على لسانه قبل سنوات في حوار صحافي: ''لست سياسياً، مناضل إن شئت.. والنضال ليس سياسة بالضرورة''.
يزيد في هذا، تواضعه بغير حدود، صبره حد الدخول في رهانات تبدو مستحيلة، هكذا علم 30 سجينا أصول الموسيقى في السجن بصبر ومثابرة لا يتوفران لغيره.
رحل مجيد وترك لنا إرثاً كبيراً، سيرة مناضل استثنائي، وإرث موسيقار بارع: سيمفونيتين تنتظران من يعزفهما، قاموسا موسيقيا من عشرة أجزاء، مقطوعات موسيقية تعليمية وأخرى تسحر الألباب.. أي كل ما يجعل بلدا وشعبا يشعر بالفخر لإسهامه في تراث الموسيقى العالمي.. وترك لنا مسؤولية أن نجعل من هذا الإرث حقيقة تثري حياتنا وحياة أجيال قادمة.. بأجمل لغات الكون.. ترك لنا الورد والياسمين نكلله به كلما زرناه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رحل مجيد.. وترك لنا ميراث الفخر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه :: مجلة الخابوري-
انتقل الى: