صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه
نر حب بجميع الزوار الكرام ونر جو منكم التسجيل

صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه

مجلة دوار 12 الاسبوعيه
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 على الدَّفتر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
المراقب العام
المراقب العام
avatar

عدد المساهمات : 3362
تاريخ التسجيل : 16/02/2010
العمر : 47

مُساهمةموضوع: على الدَّفتر   الأربعاء ديسمبر 08, 2010 7:39 pm

على الدَّفتر
في ضُحَى أحد الأيام المنصرفة تَوَّاً سَمِعتُ بائع السَّمك يقول لأحد المُشْتَرِيْن: حسابك هو خمسة وستون ديناراً. قالها وهو يَفْلِي حُزمةً من الورق المُتَرَاصْ، ومُحملقاً في أرقام متناثرة يميناً وشمالاً. سألته بفضول عارِفٍ به: هل لديك مِدْيَانٌ غيره؟ قال وهو يبتسم: هُمْ كُثُرٌ ما شاء الله، لكنه أبدى امتعاضه من نفسه وهو يرى حاله غير قادرٍ على فعل شيء معهم.

قبل أيام جاءني سَبَّاك إلى البيت. وعند حديثي معه عن أحوال السوق وأحوال المهنة ومشاقّها، أسَرَّ لي هو الآخر أن المَدَايِيْن الذين يُطالبهم قد وصلت مجموع مبالغهم إلى السبعة آلاف دينار! طبقاً لآخر جردة لقراطيسه. بطبيعة الحال فإن هذا الرقم بالنسبة له كمُمْتَهِنٍ «فرد» للسّباكة هو رقم فلكي وعظيم، يُمكن أن يعتاش عليه هو وأسرته رَدْحاً من الزّمن. لذا فقد قرّر أن لا يتعامل مع «العَيَارَى» من هؤلاء حسب وصفه. نعم قالها بمضض.

أقصى ما يُمكن أن يُقال هنا أن هؤلاء الأعزاء وأضْرَابِهِم ما هُم إلاّ ضحايا «العَيْش خارج الموازنات المتاحة» التي يأنس بفعلها العديد من الناس. فمفهوم الدَّيْن ومبرراته لا يزيد عن الخلل في المعادلة الطردية. قلّة الموارد المالية أمام كثرة الغايات. وكلفة دَيْنٍ أقل، أمام كلفة ربحٍ أكبر. وفي كلّ الأحوال ترتدّ تلك التعريفات إلى الفهم الأول، وهو «العيش خارج الموازنات المُتاحة». وربما يُصبح هؤلاء الأفراد الدائنون هم الأكثر تضرراً وانكشافاً من غيرهم.

فهُم ليسوا بمؤسسات بنكيّة أو مالية يتمّ تغطية قروضها للأفراد والشركات من قِبَل جهات تأمينية متخصصة وكبيرة كما هو معمول به في سوق الإقراض والائتمان. كما أنهم (الأفراد الدائنين) مكشوفون قانونياً، إذ لا يُوجد ما يُثبت أن لهم أموالاً آجلة التحصيل لدى آخرين، فلا إلزام من أحد على أحد هنا، بل قد يتحوّل الأمر إلى تَرَف عام من المطالبات التي لا تنتهي إلاّ إلى ديون معدومة لا أمل في استرجاعها، فتزيد الحسرة على الحسرة.

بالتأكيد أن الدَّيْن ليس مشكلة في حدّ ذاته، ولا هو سُبَّة وعار، فلطالما استدان الناس من بعضهم البعض على مَرّ التاريخ كوجه من أوجه التكافل الاجتماعي الذي يعكس تراحم الناس فيما بينهم، ولكن حين تتحوّل حياة المَدَايِيْن من العَيْش على الكفاف، إلى العَيْش على كماليات الحياة من سَفَرٍ للترويح وشراء ما يُمكن الاستغناء عنه، وأكل ما لا يُمِيْت حين يُترَك، وعدم إرجاع المال لمدد طويلة فإن دُيُونُهُم تتحوّل إلى أموال مسروقة، طالوها من غيرهم بعنوان الدَّيْن فوَجَبَ إرجاعها.

انقضاض هذا المجموع (المَدِيْن) على هذا الفرد (الدائن) هو أكثر أنواع الانتهاك جلاءً. ولطالما هُدِمَت مِهَنٌ وسقط قوامها فانهارت أسَرٌ بسبب هؤلاء وديونهم المعدومة. فإذا كانت مجموعة سيتي غروب العملاقة وبنك أوف أميركا قد دُعِمَا بقيمة 326 مليار دولار من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما لمواجهة خطر الانهيار الحاد بسبب الديون المعدومة، فما عسى هؤلاء الآحاد أن يفعلوا بديونهم المعدومة، وهم يُقضَمون يوماً بعد يوم بغير ضمان من أحد.

ما يجري مع هؤلاء ما هو إلاّ نوع من أنواع السَّرَقة الذي يُهدد المجتمع وأخلاقه وقيمه. ولا يظنّن أحد بأن السَّرُوق من القوم لا بد أن يأتي في ليلة ليلاء، مُتلفّعاً بوشاح التنكّر، فيمدّ يده على مال غيره فيسرقه ويولّي هارباً. لا... فكما القتل أنواع وأشكال (سَيْفٌ، رصاصٌ، تسميم .. إلخ) فإن السّرقة كذلك. وعلى البعض أن لا يستغلّ طِيبَة هؤلاء ليستغفلهم ويسرقهم بعنوان الدَّيْن.




محمد عبدالله محمد
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3016 - الخميس 09 ديسمبر 2010م الموافق 03 محرم 1432هـ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://mzmzmz.nforum.biz
 
على الدَّفتر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صحيفة عبد الكريم الخابوري الاسبوعيه :: مجلة اقلا م-
انتقل الى: